استراتيجية “السور والبرج”: كيف أعادت أحداث 7 أكتوبر تشكيل العقيدة الأمنية الإسرائيلية؟

استراتيجية “السور والبرج”: كيف أعادت أحداث 7 أكتوبر تشكيل العقيدة الأمنية الإسرائيلية؟

في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر، برزت إلى الواجهة من جديد في الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي إشارات واضحة لمبدأ “السور والبرج” (حوماه فمجدال)، وهو الشعار الذي طبع ممارسات الحركة الصهيونية في ثلاثينيات القرن الماضي. هذا المبدأ، الذي لا يقوم على التوسع الزراعي أو المحراث بقدر ما يرتكز على التحصين المادي وأبراج المراقبة، عاد ليحتل الصدارة في استراتيجية التعامل مع الواقع الأمني الجديد.

تاريخياً، كان “السور والبرج” يمثل أسلوباً استيطانياً يهدف إلى فرض واقع ميداني سريع من خلال بناء نقاط حصينة ومراقبة في مناطق استراتيجية كخطوة أولى للوجود. واليوم، يجد المراقبون أن المنطق ذاته قد انتقل من سياق التأسيس الاستيطاني إلى قلب العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد الصدمة التي أحدثتها عملية “طوفان الأقصى”.

تشير التحليلات إلى أن هذا التوجه يعكس تحولاً في الأولويات، حيث بات الأمن المادي، المتمثل في الأسوار، والحواجز، ومنظومات المراقبة، يتصدر الأجندة الوطنية. فبعد أن ساد اعتقاد لفترة طويلة بإمكانية الاعتماد على التكنولوجيا المتطورة والردع الاستخباراتي، فرضت أحداث 7 أكتوبر العودة إلى “الخيار الصلب”، أي الاعتماد على التحصينات الملموسة كضمانة أولى وأخيرة لاستمرار الوجود.

إن هذا التوجه لا ينفصل عن الرؤية الإسرائيلية القائمة على تقديس الجغرافيا الأمنية، حيث أصبح “السور” رمزاً للحماية من التهديدات الخارجية التي أثبتت أحداث أكتوبر قدرتها على اختراق أنظمة الردع التقني. وبناءً عليه، يرى المحللون أن السياسات الإسرائيلية الراهنة، سواء في بناء الجدران العازلة أو في تعزيز التواجد العسكري في المناطق الحساسة، هي تجسيد معاصر لمفهوم “السور والبرج”.

تؤكد هذه العودة إلى الجذور الفكرية للحركة الصهيونية أن التحديات الأمنية الراهنة دفعت إسرائيل نحو الانكفاء على مبادئها الأمنية التقليدية الأكثر تشدداً. ولم يعد السؤال في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية يدور حول جدوى الحلول السياسية بقدر ما يتمحور حول مدى متانة “السور” وقدرة “البرج” على كشف التهديدات قبل وقوعها.

بالمحصلة، فإن إحياء شعار “السور والبرج” يعيد صياغة العلاقة بين الأرض والسيادة والأمن في العقلية الاستراتيجية الإسرائيلية، محولاً إياها من دولة تسعى للاندماج أو التطبيع إلى كيان يعزز أسواره الدفاعية كأولوية قصوى تتقدم على كل ما سواها، في محاولة لاستعادة شعور فقدته القيادة والمجتمع في السابع من أكتوبر.